النويري
249
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأما البلوغ - فلأن غير البالغ لا يجرى عليه قلم ، ولا يتعلَّق بقوله على نفسه حكم ، فكان أولى ألَّا يتعلَّق به على غيره . وأما العقل - [ فهو مجمع على اعتباره ، و [ 1 ] ] لا يكتفى فيه بالعقل الذي يصحّ معه التكليف من العلم بالمدركات الضروريّة ، حتى يكون صحيح التمييز جيّد الفطنة بعيدا من السهو والغفلة ، ليتوصّل بذكائه إلى وضوح ما أشكل ، وحلّ ما أبهم وأعضل . وأما الحرّيّة - فنقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره ، ولأن الرّقّ لمّا منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية . وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حرّيته كالمدبّر والمكاتب [ 2 ] ومن رقّ بعضه . ولا يمنع الرقّ من الفتيا والرواية . وأما الإسلام - فلقوله عز وجل : * ( ولَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) * . وهو شرط في قبول الشهادة . ولا يجوز أن يقلَّد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار . ورأى أبو حنيفة جواز تقليده القضاء بين أهل دينه . وقد جرى العرف في تقليد الكافر ؛ وهو تقليد زعامة ورياسة لا تدخل تحته الأحكام والإلزام بقضائه ، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم . وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه ، وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ . وأما العدالة - فهي معتبرة في كل ولاية . ومعناها أن يكون الرجل صادق اللَّهجة ، ظاهر الأمانة ، عفيفا عن المحارم ، متوقّيا للمآثم ، بعيدا من الرّيب ، مأمونا
--> [ 1 ] لم يظهر الخظ في الأصل الفتوغرافى ، وهذه التكملة من كتاب الأحكام السلطانية . [ 2 ] المدبر : العبد الذي يعلق سيده عتقه على موته بأن يقول له : أنت حر بعد موتى . والمكاتب : العبد الذي يكاتب على نفسه بثمنه فإذا أدّاه عتق .